
ما قامت الحضارة البشرية العتيدة إلا على تراكم إنجازات الإنسان، ولم ينجز الإنسان ـ بحياته القصيرة ـ ما انجزه إلا بفضل عدم تضييعه للوقت، ولم يضيع الإنسان وقته بالتردد باتخاذ القرار، ولم يتخذه دون تحري عواقبه ، وإنما بالقدرة على الجمع بينهما .
التروي مطلوبٌ في كل أمر والنظر في العواقب سكةٌ للسلامة، أما إطالة الوقت بالتروي بلا مدعاة واجبة، والإفراطُ في البحث عن احتمالات العواقب الممكنة، والإسراف في البحث عن التمامية والكمال إنما هو صناعة للمُعَوِّقات ،وابتكارٌ للعثرات، وخللٌ في الموازنة بين الحاجة والحكمة.
كثيرون منا لا يرون ولا ينتبهون لحالة التردد المغلفة بأسباب الوهم الخادع، التي يتهربون منها ومن حسمها ومواجهتها لأسبابٍ لا تتعدى الخوف من المجهول والقادم الجديد، وعدم الرغبة بخوض واقع مخالف لما هم عليه، والخشية من أنفسهم بكيفية التعامل معه .. لا منه بذاته، وترعبهم الأسباب المجهولة أكثر من الأسباب المعلومة والتي قد ترقى أحيانًا لمرحلة الوسواس الذي يصبح مرضًا لا عقلانية فيه، ويتطلب حينها الأمرُ حلاً وعلاج .
كم من العقول النابهة والمُلهَمةُ تعطلت بها مسيرة الحياة، لأسبابٍ لا تليق قلة وجاهتها بهذه العقول ولا تتسق سذاجتها مع ذكائهم المتقد، ولا حتى سفاهةُ هذه الأسباب مع ألمعية هؤلاء الرائعين من الناس، حيث تجري بهم السنين وهم يراوحون في اماكنهم، لم يتمكنوا من قفز حواجز الوهمِ برصد الذات وفتح الطريق لإمكاناتهم وقدراتهم الواعدة بالخير لهم ولمجتمعاتهم ودولهم، فالكثير من الحلول تكمنُ في تبسيط الأمرِ لا بتعقيده، والمشكلات كما نراها لا كما هي بالواقع وعقولنا هي التي تعبث بعدسة الواقع وتًكبِّرُهُ لنرى القط نمرًا ، وكيف لا تطمئن نفوسنا ونحن نذكر الله الذي قال (الذين آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب)ُوحديث رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم الذي قال : (اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك) .. فقم وتوثَّب للغد ولندعو معًا : اللهم ارفع العثرات والمعيقات عّنَّا !!

الكاتب
جمال الساير